أحمد بن محمد الهمذاني ( ابن الفقيه الهمذاني )
254
البلدان
السفاح : إنما الكوفة مثل اللهاة من البدن يأتيها الماء ببرده وعذوبته . والبصرة بمنزلة المثانة يأتيها الماء بعد تغييره وفساده . وكان بالبصرة رجل من أهل الكوفة يقال له أبا المعذل بن غيلان ففاخرهم يوماً فقال : ألستم تروون أن من بال في الماء القائم المبال أربعين صباحاً تغير عقله ؟ قالوا : بلى . قال : فهو ذا أنتم يشرب أحدكم الماء القائم المبال فيه ثمانين سنة . فكيف تكون عقولكم مثل عقول أهل الكوفة ؟ فما استطاعوا أن يجيبوه . فقال عمرو بن الحارث ( 1 ) : فإن [ 17 ب ] لأهل البصرة الرطب الذي ليس في الدنيا أكثر ولا ألذّ منه . فقال ابن يوسف : أما الكثير ليس بزائده في الطيب . ولو كان الكثير أطيب لكان بعر الإبل أطيب من الجوز . وأما الطيب ، فإن أهل العراق اجتمعوا ليلة في سمر عند يزيد بن عمر بن هبيرة فقالوا : أي البلدين أطيب تمرا الكوفة أم البصرة ؟ فقال خالد بن صفوان : بل تمرنا أطيب وأعذب ، ولنا على أهل البصرة فضل العنب الرازقي في طيبه السونابي ( 2 ) في حلاوته والخمري في رقته . فإذا فخر البصري بالعنب ذكر لهم عنبا يسمونه المتروري ، وما رأيت الحصى قطَّ يباع حتى رأيت هذا العنب يباع . قال علي بن هشام : فإن لأهل البصرة فيلسوفي الإسلام اللذين استخرجا النحو والعروض : أبو الأسود الدؤلي والخليل بن أحمد . فقال عمرو بن مسعدة ( 3 ) : أما العروض فهو وإن كان علما فما يحتاج إليه كثير من الناس ، وليس من علم الأشراف . وأما النحو فإن أبا الأسود احتاج إليه لفساد السنة أهل البصرة . ولم يحتج أصحابنا لفصاحتهم . ولئن كان أبو الأسود
--> ( 1 ) عمرو بن الحارث بن يعقوب المتوفى عام 148 ه ( ابن الأثير 5 : 589 ) فيكون هذا الكلام جزءا من المفاخرة التي وقعت عند أبي العباس السفاح . ( 2 ) في الأصل : السوناني . والصواب ما أثبتناه . وهو نسبة إلى سونايا من قرى بغداد . ( 3 ) أحد وزراء المأمون مات عام 217 ه ( مروج 3 : 417 ) ترجمته في ابن خلكان 3 : 475 .